عندما تلاحظ بروزاً أو تورماً في أوردة ساقك، فمن الطبيعي أن تقلق حول ماهيتها بل وقد تتساءل: “هل هذه جلطة؟ وهل يمكن أن تُسبب الدوالي جلطة رئوية؟”. وإذا بحثت على الإنترنت لمحاولة فهم طبيعة هذا التورم، فقد تصطدم بمعلومات طبية مقلقة من نوع: هل يمكن أن تُسبب الدوالي جلطة رئوية؟ هل يمكن أن تتحرك من مكانها؟ الخ..
ولأنني أعلم تماماً أن منظر الأوردة المحتقنة والمنتفخة تحت الجلد مزعج ومقلق. أريد أن أطمئنك: الدوالي السطحية بحد ذاتها ليست خثرة دموية صلبة، ولا تنتقل عبر مجرى الدم لتصل إلى رئتيك.
تنبيه طبي: هذه المعلومات للتوعية فقط ولا تغني عن زيارة الطبيب، خاصة إذا كان مصحوباً بألم .
لذا سأتناول في هذا المقال متى يكون هناك قلق حقيقي، ومتى تكون الحالة مجرد أوردة متوسعة تحتاج للمتابعة و سأفصّل الحالات التالية بوضوح ليكون لديك مرجع دائم عن كل مايتعلق بهذا الموضوع:
- الفرق الفعلي بين الدوالي البسيطة وجلطات الأوردة العميقة.
- كيف يتطور التخثر السطحي ومتى يستدعي التدخل الطبي.
- عوامل الخطر الحقيقية التي تضاعف احتمالية الإصابة.
- الأعراض التحذيرية التي تتطلب زيارة الطوارئ فوراً.

هل يمكن أن تُسبب الدوالي جلطة رئوية؟
كجواب بسيط ومباشر، لا. الدوالي السطحية البسيطة ليست جلطة ولا تسبب انصماماً رئوياً بشكل مباشر. فالخطر يرتفع فقط إذا حدث تخثر (تجلط) سطحي وامتد نحو الأوردة العميقة مسبباً جلطة عميقة [4].
الدوالي حالة شائعة جداً، ومجرد وجودها لا يعني أبداً أن لديك جلطة وريدية عميقة أو أنك ستصاب حتماً بانصمام رئوي [3]. صحيح أن هناك دراسة كبرى شملت أكثر من 400 ألف بالغ بينت وجود ارتباط إحصائي بين الدوالي وزيادة خطر الإصابة بجلطة الوريد العميق [3]، لكن طبياً، هذا الارتباط المبدئي لا يثبت أن الدوالي نفسها هي السبب المباشر والمؤكد للجلطة الرئوية [3].

الدوالي والجلطة الوريدية العميقة – كيف ترتبط فعلياً؟
لكي نفهم ما يحدث داخل الساق فعلاً ، يجب أن نفرق بين انواع وشبكات الأوردة.
فالأمور في جسم الإنسان لا تسير بعشوائية، بل تعتمد على موقع المشكلة ونوعها ضمن مسار أمراض الأوعية الدموية.
الفرق بين الدوالي السطحية وجلطة الوريد العميق
تُعرف الدوالي بأنها فروع وريدية تحت الجلد متوسعة بقطر يبلغ 3 ملم أو أكثر [1]. هذه الحالة تختلف جذرياً عن جلطة الوريد العميق (DVT). فالجلطة العميقة هي خثرة دموية صلبة تتشكل داخل الأوردة العميقة المدفونة بين عضلات الساق، وهي التي يمكن أن تنفصل وتنتقل إلى الرئتين مسببة الانصمام الرئوي (PE) الذي يشكل خطراً حقيقياً مهدداً للحياة [2].
| وجه المقارنة | الدوالي السطحية | جلطة الوريد العميق (DVT) |
| مكان الإصابة | الأوردة السطحية الظاهرة تحت الجلد | الأوردة العميقة المدفونة داخل عضلات الساق |
| طبيعة المشكلة | توسع واحتقان في جدار الوريد | تشكل خثرة دموية صلبة تسد مجرى الدم |
| خطر انتقالها للرئة | لا تنتقل مباشرة | يمكن أن تنفصل الخثرة وتنتقل للرئة [2] |
هل يمكن أن تنتقل الجلطة من الوريد السطحي إلى الوريد العميق؟
هنا نصل إلى نقطة الخلط الشائعة. أحياناً يحدث ما نسميه طبياً “التخثر الوريدي السطحي” (SVT)، وهو ببساطة تجلط داخل وريد سطحي يرافقه انسداد جزئي والتهاب يمتد على مساره [4]. هذه الحالة تختلف تماماً عن الدوالي البسيطة.
ولكي نكون دقيقين علمياً، قد يترافق هذا التخثر السطحي أحياناً مع:
- جلطة في الوريد العميق (بنسبة تتراوح بين 6 إلى 40%).
- انصمام رئوي صامت؛ أي لا تظهر له أعراض واضحة للمريض (في 20 إلى 33% من الحالات) [4].
وكلما اقتربت هذه الخثرة السطحية من الأوردة العميقة، زادت دقة الحالة. فإذا كانت المسافة بينهما 3 سم أو أقل، فإننا نتعامل معها بجدية تامة تعادل في خطورتها جلطة الوريد العميق [6].
مستويات خطر الإصابة بالانصمام الرئوي عند مرضى الدوالي
الخطر ليس ثابتاً لدى الجميع، بل يختلف بناءً على تقييمنا السريري لحالتك، وموقع الأوردة المصابة، ووجود عوامل أخرى تزيد العبء على الدورة الدموية.

الخطر المنخفض: الدوالي السطحية البسيطة دون أعراض أخرى
إذا كانت الدوالي مجرد أوردة سطحية متوسعة دون أي التهاب أو خثرات، فهي لا تعني وجود جلطة [3]. هذه الحالات نراقبها طبياً براحة تامة دون افتراض وجود خطر انتقال جلطة إلى الرئة.
الخطر المتوسّط: الدوالي مع قصور وريدي مزمن أو تخثر سطحي ممتدّ
لا تتطلب الحالة تدخل طبي لحمايتك إلا عندما يأخذ هذا التخثر السطحي أحد هذين المسارين:
- امتداد الخثرة (5 سم أو أكثر): حتى لو كانت بعيدة نسبياً عن نقطة الاتصال بالوريد العميق، نوصي عادة باستخدام مميع للدم لمدة 45 يوماً [5]، سواء ارتبطت الحالة بدوالي أم لا [1].
- اقتراب الخثرة من الأوردة العميقة (مسافة 3 سم أو أقل): إذا وقع التخثر في الجذع الصافني بهذه المسافة الحرجة، نأخذ إجراءً حاسماً ونبدأ فوراً بعلاج مضاد للتخثر بجرعة كاملة لمدة 6 أسابيع على الأقل [1].
الخطر العالي: وجود DVT فعلي أو عوامل مُضاعِفة (سفر طويل، حمل، سرطان، سمنة)
يرتفع احتمال حدوث الجلطات العميقة والانصمام الرئوي بشكل ملحوظ عندما تجتمع عدة عوامل خطر في وقت واحد [7]. من أهم هذه العوامل المؤكدة:
- السفر المتواصل لأكثر من 4 ساعات، والذي يعد بحد ذاته عامل خطر مسبب للجلطات [2].
- فترتا الحمل وما بعد الولادة، إذ يضاعف الحمل من خطر الجلطات بنحو خمس مرات [8].
- الإصابة بالسرطان وعلاجاته المستمرة [7].
- زيادة الوزن المفرطة أو السمنة [7].
أعراض تحذيرية تستدعي الذهاب للطوارئ فوراً
بما أن حوالي نصف المصابين بجلطة الوريد العميق قد لا تظهر عليهم أية أعراض واضحة، يصبح الوعي بالعلامات التحذيرية أمراً حيوياً [9]. عادة، تشمل أعراض جلطة الساق: التورم، الألم عند اللمس، الشعور بدفء في الجلد، وتغير لونه أو احمراره [9].

لكن النقطة الأهم هي أن الانصمام الرئوي قد يحدث دون أي أعراض مسبقة واضحة في الساق [9]. لذا، إذا شعرت بأي من الأعراض التالية، أرجوك لا تنتظر واطلب الرعاية الطبية الفورية [9]:
- ضيق أو صعوبة مفاجئة في التنفس.
- ألم أو انزعاج في الصدر يزداد حدة مع التنفس العميق أو السعال.
- تسارع أو عدم انتظام في ضربات القلب.
- سعال مفاجئ قد يرافقه خروج دم.
- دوخة شديدة أو إغماء ناتج عن انخفاض حاد في ضغط الدم.
خطة الوقاية من جلطة الرئة عند مرضى الدوالي
الوقاية تبدأ دائماً بالفهم الصحيح للجسد وتجنب الهلع. نحن لا نصف مميعات الدم عشوائياً لكل شخص يعاني من دوالي بسيطة. قرار العلاج الدوائي يقتصر فقط على حالات التخثر السطحي المثبت، أو عند وجود عوامل خطورة محددة نقيمها بدقة طبياً [1].
عند الاشتباه بوجود تخثر سطحي، نعتمد على فحص الساق الشامل بالموجات فوق الصوتية (الدوبلر) لمعرفة امتداد الخثرة واستبعاد وجود جلطة عميقة صامتة [5]. ولا يوجد أي مبرر علمي لإجراء هذا الفحص بشكل دوري إذا لم تظهر عليك أعراض واضحة [5].
أما إذا كنت تخطط لسفر طويل، فأنصحك بتحريك ساقيك باستمرار، وتمرين عضلات الساق، والمشي بين الحين والآخر لتنشيط الدورة الدموية [2]. وفي بعض الحالات، ننصح الأشخاص المعرضين للخطر بارتداء الجوارب الضاغطة أثناء السفر، لكنها ليست وسيلة طبية سحرية تمنع الانصمام الرئوي قطعياً لدى جميع مرضى الدوالي [2]. وإذا كانت دوالي الساقين تسبب لك إزعاجاً مستمراً، يمكنك الاطلاع أكثر على مسار علاج الدوالي بالتصليب لمعرفة الخيارات المتاحة والمناسبة لحالتك.
قسم الأسئلة الشائعة (FAQ Section)
هل يمكن أن تنتقل جلطة الوريد من الساق إلى الرئة؟
نعم، في حالة جلطة الوريد العميق (DVT)، يمكن أن تنفصل خثرة وتنتقل للرئتين مسببة انصماماً رئوياً [2]. أما الدوالي البسيطة بحد ذاتها فلا تنتقل، لكن التخثر السطحي قد يمتد أحياناً للأوردة العميقة [4].
كيف يُقيم خطر جلطة الرئة عند مريض الدوالي؟
لا توجد نسبة خطر واحدة تنطبق على الجميع. التقييم يعتمد على امتداد التخثر السطحي وقربه من الأوردة العميقة، بالإضافة إلى عوامل مساعدة ترهق الجسم كالسمنة، الحمل، أو السفر الطويل [4] [7].
هل الجوارب الضاغطة تمنع جلطة الرئة؟
هي مفيدة لتحسين تدفق الدم أثناء السفر للأشخاص المعرضين للخطر، لكنها لا تُعتبر وسيلة طبية مثبتة تمنع الانصمام الرئوي بشكل قطعي لكل مريض دوالي [2].
متى يكون مريض الدوالي عرضة لجلطة الوريد العميق؟
يرتفع الخطر الحقيقي إذا تشكل لديه تخثر سطحي يمتد لمسافة 3 سم أو أقل من الأوردة العميقة [6]، أو ترافقت الحالة مع عوامل قوية مثل الحمل الذي يضاعف الخطر خمس مرات [8].
متى يحتاج مريض الدوالي إلى فحص دوبلر لاستبعاد جلطة؟
نطلب إجراء هذا الفحص (الدوبلر) لكامل الساق فقط عند الاشتباه السريري بوجود تخثر وريدي سطحي، وذلك لمعرفة امتداده بدقة واستبعاد الجلطات العميقة الصامتة [5]، ولا نطلبه كإجراء روتيني للمرضى المستقرين بلا أعراض.
المراجع
- [1] Superficial Venous Thrombosis Guidelines and Reviews
- [2] CDC: Blood Clots and Travel
- [3] JAMA: Association of Varicose Veins With Incident Venous Thromboembolism
- [4] Superficial Thrombophlebitis and Complications
- [5] ESVS Clinical Practice Guidelines on Venous Thrombosis
- [6] High-risk Superficial Venous Thrombosis Assessment
- [7] CDC: Risk Factors for Deep Vein Thrombosis and Pulmonary Embolism
- [8] CDC: Pregnancy and Blood Clots
- [9] CDC: Signs and Symptoms of DVT and PE